غانم قدوري الحمد
90
محاضرات في علوم القرآن
إن رحلة المصحف الطويلة عبر القرون لم تغيّر من نصه الذي كتبه الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، حين تلقوه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجمعوه في المصحف ونسخوه في المصاحف ، وأنت إذا أخذت أحدث نسخة مطبوعة من المصحف ، ثم وازنت بينها وبين إحدى النسخ العتيقة من المصحف المكتوبة على الرقوق ، بالخط الكوفي القديم المجرد من العلامات ، مما تحتفظ به بعض المكتبات العالمية ، لوجدت النص واحدا والتطابق بينهما تامّا ، سوى ما يرجع إلى الاختلافات الشكلية التي لا تغير من النص المكتوب ولا من قراءته . وقد يسّر اللّه تعالى أسباب حفظ القرآن ، كتابة في السطور ، وحفظا في الصدور ، وتلاوة في الألسنة ، وتحقق بذلك وعد اللّه الحق في حفظ القرآن في قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] . فالقرآن الكريم معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم الخالدة ، وحجة اللّه تعالى الباقية ، هو حبل اللّه المتين ، وهو النور المبين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، عصمة لمن اعتصم به ، ونجاة لمن تمسك به ، لا يعوجّ فيقوّم ، ولا يخلق من كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدّق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم « 1 » . وقد اتفقت كلمة العلماء المدققين ، والمستشرقين المنصفين على صحة نقل القرآن وانتهائه بنصه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم على الرغم من أنهم لا يؤمنون أنه من عند اللّه . وهناك بضع شهادات لكبار العلماء منهم تؤكد أن القرآن هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصه محفوظا من التحريف ، من بين كتب الديانات جميعا ، وأنه لم يتطرق شكّ إلى أصالته ، وأن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير من يوم نزوله إلى زماننا « 2 » .
--> ( 1 ) هذه الأوصاف للقرآن ملخصة من حديثين ، أحدهما عن الإمام علي ( الترمذي : كتاب السنن 5 / 158 ) والثاني عن عبد اللّه بن مسعود ( الطبراني : المعجم الكبير 9 / 130 ) . ( 2 ) تنظر نصوص تلك الأقوال في كتاب النبي الخاتم للندوي ص 30 - 31 .